أعلان الهيدر

معلومات

الخميس، 6 أكتوبر 2022

الرئيسية مفهوم الرغبة

مفهوم الرغبة

 

·         يعود الاهتمام بمفهوم الرغبة، كموضوع للاشتغال الفلسفيّ، إلى العصر اليونانيّ القديم، نظراً لما تطرحه من إشكالات فلسفيّة عويصة، وما تتطلّبه معالجتها، تحديداً، من تمثّل واستحضار لمفاهيم أخرى مرتبطة بها، كالحاجة والإرادة والسعادة، لذلك فليس من الغريب أن يخصص كلّ فيلسوف جزءاً من كتابته لدراستها وتفحّصها والبحث في إشكالاتها.

·         ودراسة هذا المفهوم اختلفت باختلاف زوايا النظر التي يخصّصها كلّ فيلسوف لها، فهذا أفلاطون Platon في محاورته المأدبة، يذمّها ويجعل منها انفعالاً نفسيّاً ونقصاً ونزوعاً أهوجاً، لا يتوافق مع متطلّبات مدينته الفاضلة التي تتأسّس بالضرورة على الحكمة والاعتدال.

·         وهذا إيتين جلسون Etienne Henry gilson يعبّر أيضاً في كتابه "روح الفلسفة المسيحيّة في العصر الوسيط" عن نظرة المسيحيّة للرغبة، والتي بدورها شكّلت استمراريّة لما استخلصه أفلاطون ومن نحا نحوه، لكن بمسحة لاهوتيّة ذات طابع مسيحيّ، جعلت منها شعوراً مرحليّاً يدفعنا للإحساس بالملّل، لأنّ غايته تحقيق اللذّة، وهذه الأخيرة بدورها فانية غير دائمة.

·         إلّا أنّ هذا الموضوع في العصر الحديث، سيأخذ منحى آخر ذا طابع إبيستمولوجيّ أكثر منه أخلاقيّاً، فتغيّر العلوم في هذا العصر وتغيّر المناهج، وغلبة النظرة العلميّة على مقاربة المواضيع، أدّت إلى تغيّر دراسة مفهوم الرغبة، وأبرز من سعى إلى ترسيخ هذه المقاربة هو الفيلسوف الهولنديّ باروخ إسبينوزا في كتابه: "الإيثيقا".

·         إنّ الدراسة العلميّة لمفهوم الرغبة دفعت إسبينوزا إلى إعادة بناء نسق أنطولوجيّ جذريّ جديد، حدّد فيه موقع الإنسان بشكل دقيق في علاقته بالكون أو الطبيعة، وذلك ليستطيع بحقّ تحديد مفهوم الرغبة، ودراسته بطريقة تتوخّى الحياد والموضوعيّة.

·         وبالتالي تطلب منّا تحديد مفهوم الرغبة لدى إسبينوزا، الكشف عن نظريّتين تتعايشان أو تتوازيان داخل كتاب الإيثيقا، الأولى تؤصّل لنسق أنطولوجيّ جذريّ أطلق عليه الفيلسوف الفرنسيّ جيل دولوز اسم: النسق الإيثولوجيّ، وهو نسق صاغه إسبينوزا بمفاهيم تقليديّة ولكنّها ذات حمولة مجترحة بشكل مختلف عن دلالتها الكلاسيكيّة، حمولة تلغي مفهوم الأنطولوجيا بمعناه الميتافيزيقيّ الواسع، والثانية تؤصّل لنظريّة إيثيقيّة مناهضة للأخلاق -بمعناها اللاهوتيّ والفلسفيّ على حدّ سواء- غايتها تحرير الإنسان وإسعاده.

·         يبدو واضحاً أنّ طرح إسبينوزا حول مفهوم الرغبة تنتج عنه خلاصات واستنتاجات غاية في الأهميّة، يمكن أن نلخّصها في الآتي:

1.      أوّلاً: تتطلّب دراسة مفهوم الرغبة في فلسفة إسبينوزا، ولضرورة منهجيّة فقط، دراسة باقي المفاهيم التي صاغها هذا الفيلسوف الهولنديّ الفذّ عن الوجود (الجوهر، الصفات الأحوال)، وذلك لأنّه مفهوم أَوْلَى له صاحبه من الأهميّة ما جعله يشكّل الجسر الذي بوساطته تُحقّق الطبيعة الطابعة نفسها، في الطبيعة المطبوعة، من جهة ما هي تتحقّق عن طريق الإنسان.

2.      ثانياً: يصير مفهوم الأنطولوجيا، في فلسفة إسبينوزا، لاغياً ويعوّض بمفهوم الإيثولوجيا، إذ إنّ الأوّل يُنظر إليه كدراسة تجريديّة للوجود في إطلاقه وقبليّته، في حين أنّ الثاني يعرف على أنّه فيزياء للوجود، تبحث في الموجودات تجريبيّاً، من حيث تركيبتها وتحقّقها في العالم كحركة وقوّة وكمّيات طاقة، وإيثيقا إسبينوزا، كما يؤكّد دولوز في تأويله، لا يمكن أن تفهم إلّا باعتبارها إيثولوجيا لا تستسلم للتجريد والتعالي وتغفل إجرائيّة التجربة.

وبما أنّ الأمر كذلك، فلا يجب النظر إلى الرغبة كموضوع أخلاقيّ مذموم، بل كموضوع للمعرفة والتقصّي والبحث والفهم، أي كموضوع إبستمولوجيّ، ولعلّ السبب الرئيس الذي جعل معظم الفلاسفة ينظرون إلى الرغبة في إطارها ذاك، هو بناؤهم لأنساق أنطولوجيّة، تسعى إلى فهم الإنسان في أفق أخلاقيّة متعالية وعقيمة، تتبنّى الكمال والنموذج والمثاليّة، قاعدة متينة تقف عليها.

1.      ثالثاً: تصبح الإيثيقا نظريّة مناهضة للأخلاق، ولا تفهم إلّا باعتبارها بديلاً للتصوّر الأخلاقيّ عن العالم، وذلك لأنّ هذا الأخير يجعل الموجودات متراتبة في الوجود، بحسب قيمتها الأخلاقيّة التي تسند إليها ماهيّتها، في حين أنّ التصوّر الإيثيقيّ يجعل الموجودات متساوية من حيث القيمة، ولا وجود فيها للذي يسمو على الآخر، فكلّها تخضع للتمشّي نفسه، أي لنظام من البساط والمحايثة، والفرق بينها لا يعدو أن يكون فرقاً فيزيائيّاً وليس أخلاقيّاً، إلّا أن يكون فرقاً في القوّة.

إنّ النظام الأخلاقيّ إذن هو نظام أحكام متراتبة، يهدف إلى بناء نموذج فاضل،يعتدّ به، وهو نظام ينتج عن عدم فهمنا للموجودات في تحرّكاتها وتمشّيها داخل الطبيعة، إنّه نظام يقوم على “لا” التحريم، النهي والتوبيخ، في حين أنّ النظام الإيثيقيّ هو قلب لنظام أحكام الجزر، والتوبيخ والنهي والطاعة والمأساة، وترسيخ لفلسفة حياة، تنبذ كلّ النزعات الحزينة وتدعو إلى تبنّي مقاربة إيثيقيّة، غايتها تحرير الإنسان وإسعاده، إنّها مبحث فلسفيّ ينظر إلى العالم بشكل متساو، وإلى الموجودات من جهة قدرتها ومقاديرها على التحقّق في الوجود.

1.      رابعاً: ينتج عن ذلك أن كلّ المواضيع الأخلاقيّة المطلقة من خير وشرّ، حسن وقبيح، ينعدم وجودها في النظام الإيثيقيّ، ويصير نسبيّاً، أي يصير حكمنا على الأشياء، راجع إلى مدى قدرة هذه الأشياء على تزكيّة وجودنا أو عدم قدرتها.

مفهوم الرغبة

·         يعود الاهتمام بمفهوم الرغبة، كموضوع للاشتغال الفلسفيّ، إلى العصر اليونانيّ القديم، نظراً لما تطرحه من إشكالات فلسفيّة عويصة، وما تتطلّبه معالجتها، تحديداً، من تمثّل واستحضار لمفاهيم أخرى مرتبطة بها، كالحاجة والإرادة والسعادة، لذلك فليس من الغريب أن يخصص كلّ فيلسوف جزءاً من كتابته لدراستها وتفحّصها والبحث في إشكالاتها.

·         ودراسة هذا المفهوم اختلفت باختلاف زوايا النظر التي يخصّصها كلّ فيلسوف لها، فهذا أفلاطون Platon في محاورته المأدبة، يذمّها ويجعل منها انفعالاً نفسيّاً ونقصاً ونزوعاً أهوجاً، لا يتوافق مع متطلّبات مدينته الفاضلة التي تتأسّس بالضرورة على الحكمة والاعتدال.

·         وهذا إيتين جلسون Etienne Henry gilson يعبّر أيضاً في كتابه "روح الفلسفة المسيحيّة في العصر الوسيط" عن نظرة المسيحيّة للرغبة، والتي بدورها شكّلت استمراريّة لما استخلصه أفلاطون ومن نحا نحوه، لكن بمسحة لاهوتيّة ذات طابع مسيحيّ، جعلت منها شعوراً مرحليّاً يدفعنا للإحساس بالملّل، لأنّ غايته تحقيق اللذّة، وهذه الأخيرة بدورها فانية غير دائمة.

·         إلّا أنّ هذا الموضوع في العصر الحديث، سيأخذ منحى آخر ذا طابع إبيستمولوجيّ أكثر منه أخلاقيّاً، فتغيّر العلوم في هذا العصر وتغيّر المناهج، وغلبة النظرة العلميّة على مقاربة المواضيع، أدّت إلى تغيّر دراسة مفهوم الرغبة، وأبرز من سعى إلى ترسيخ هذه المقاربة هو الفيلسوف الهولنديّ باروخ إسبينوزا في كتابه: "الإيثيقا".

·         إنّ الدراسة العلميّة لمفهوم الرغبة دفعت إسبينوزا إلى إعادة بناء نسق أنطولوجيّ جذريّ جديد، حدّد فيه موقع الإنسان بشكل دقيق في علاقته بالكون أو الطبيعة، وذلك ليستطيع بحقّ تحديد مفهوم الرغبة، ودراسته بطريقة تتوخّى الحياد والموضوعيّة.

·         وبالتالي تطلب منّا تحديد مفهوم الرغبة لدى إسبينوزا، الكشف عن نظريّتين تتعايشان أو تتوازيان داخل كتاب الإيثيقا، الأولى تؤصّل لنسق أنطولوجيّ جذريّ أطلق عليه الفيلسوف الفرنسيّ جيل دولوز اسم: النسق الإيثولوجيّ، وهو نسق صاغه إسبينوزا بمفاهيم تقليديّة ولكنّها ذات حمولة مجترحة بشكل مختلف عن دلالتها الكلاسيكيّة، حمولة تلغي مفهوم الأنطولوجيا بمعناه الميتافيزيقيّ الواسع، والثانية تؤصّل لنظريّة إيثيقيّة مناهضة للأخلاق -بمعناها اللاهوتيّ والفلسفيّ على حدّ سواء- غايتها تحرير الإنسان وإسعاده.

·         يبدو واضحاً أنّ طرح إسبينوزا حول مفهوم الرغبة تنتج عنه خلاصات واستنتاجات غاية في الأهميّة، يمكن أن نلخّصها في الآتي:

1.      أوّلاً: تتطلّب دراسة مفهوم الرغبة في فلسفة إسبينوزا، ولضرورة منهجيّة فقط، دراسة باقي المفاهيم التي صاغها هذا الفيلسوف الهولنديّ الفذّ عن الوجود (الجوهر، الصفات الأحوال)، وذلك لأنّه مفهوم أَوْلَى له صاحبه من الأهميّة ما جعله يشكّل الجسر الذي بوساطته تُحقّق الطبيعة الطابعة نفسها، في الطبيعة المطبوعة، من جهة ما هي تتحقّق عن طريق الإنسان.

2.      ثانياً: يصير مفهوم الأنطولوجيا، في فلسفة إسبينوزا، لاغياً ويعوّض بمفهوم الإيثولوجيا، إذ إنّ الأوّل يُنظر إليه كدراسة تجريديّة للوجود في إطلاقه وقبليّته، في حين أنّ الثاني يعرف على أنّه فيزياء للوجود، تبحث في الموجودات تجريبيّاً، من حيث تركيبتها وتحقّقها في العالم كحركة وقوّة وكمّيات طاقة، وإيثيقا إسبينوزا، كما يؤكّد دولوز في تأويله، لا يمكن أن تفهم إلّا باعتبارها إيثولوجيا لا تستسلم للتجريد والتعالي وتغفل إجرائيّة التجربة.

وبما أنّ الأمر كذلك، فلا يجب النظر إلى الرغبة كموضوع أخلاقيّ مذموم، بل كموضوع للمعرفة والتقصّي والبحث والفهم، أي كموضوع إبستمولوجيّ، ولعلّ السبب الرئيس الذي جعل معظم الفلاسفة ينظرون إلى الرغبة في إطارها ذاك، هو بناؤهم لأنساق أنطولوجيّة، تسعى إلى فهم الإنسان في أفق أخلاقيّة متعالية وعقيمة، تتبنّى الكمال والنموذج والمثاليّة، قاعدة متينة تقف عليها.

1.      ثالثاً: تصبح الإيثيقا نظريّة مناهضة للأخلاق، ولا تفهم إلّا باعتبارها بديلاً للتصوّر الأخلاقيّ عن العالم، وذلك لأنّ هذا الأخير يجعل الموجودات متراتبة في الوجود، بحسب قيمتها الأخلاقيّة التي تسند إليها ماهيّتها، في حين أنّ التصوّر الإيثيقيّ يجعل الموجودات متساوية من حيث القيمة، ولا وجود فيها للذي يسمو على الآخر، فكلّها تخضع للتمشّي نفسه، أي لنظام من البساط والمحايثة، والفرق بينها لا يعدو أن يكون فرقاً فيزيائيّاً وليس أخلاقيّاً، إلّا أن يكون فرقاً في القوّة.

إنّ النظام الأخلاقيّ إذن هو نظام أحكام متراتبة، يهدف إلى بناء نموذج فاضل،يعتدّ به، وهو نظام ينتج عن عدم فهمنا للموجودات في تحرّكاتها وتمشّيها داخل الطبيعة، إنّه نظام يقوم على “لا” التحريم، النهي والتوبيخ، في حين أنّ النظام الإيثيقيّ هو قلب لنظام أحكام الجزر، والتوبيخ والنهي والطاعة والمأساة، وترسيخ لفلسفة حياة، تنبذ كلّ النزعات الحزينة وتدعو إلى تبنّي مقاربة إيثيقيّة، غايتها تحرير الإنسان وإسعاده، إنّها مبحث فلسفيّ ينظر إلى العالم بشكل متساو، وإلى الموجودات من جهة قدرتها ومقاديرها على التحقّق في الوجود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.